المحور الأول : مفهوم الشخص

يحيل مفهوم " الشخص " Personne على الإنسان باعتباره " ذاتا واعية وعاقلة تتحمل مسؤولية أفعالها قانونيا وأخلاقيا " . فالشخص من وجهة نظر الفلسفة ، لا يتحدد بالجسم ، بل في كونه " كينونة معنوية تتميز بجملة مقومات كالوعي والحرية والمسؤولية والإرادة والكرامة " . إنه ذات تمتلك هوية تسمو بها على باقي موجودات الطبيعة لتكتسي قيمة خاصة . ذات مفكرة تعمل على التباعا المن التحديات التي تشركرجويلبثامن الرينب

يدفعنا هذا الطابع المعقد للشخص إلى طرح مجموعة من التساؤلات :

  • على أي أساس تنبني هوية الشخص ؟
  • من أين يستمد قيمته ؟
  • وهل هو كائن خاضع للإكراهات والضرورات الطبيعية والإجتماعية والنفسية أم أنه يمتلك من الحرية والمسؤولية ما يمكنه من تحقيق التجاوز والتعالي ؟

المحور الأول : الشخص و الهوية

  • الشخص : ذات عاقلة و واعية تتحمل مسؤلية قانونية و أخلاقية .
  • الهوية : مبدأ تطابق الذات مع نفسها و مبدأ إختلافها عن غيرها .

التأطير الإشكالي :

على الرغم من التحولات التي تطال الشخص سواء من الناحية الجسدية أو النفسية ، فهو يظل دائما يشير إلى نفسه بضمير " أنا " ، ويدل هذا الضمير على ثبات و استمرارية شيء ما ، مما يشيرا إلى وعي الشخص بذاته بشكل مستمر و غیر منقطع ، وهو ما يؤسس هوية الشخص ، فما أساس هذه الهوية ؟ وهل يكمن في التفكير أم في الشعور والذاكرة ؟ وهل تقوم هذه الوحدة وحدة الهوية - على الوحدة والتطابق وترابط الذكريات أم على التعدد والتغير والصراع ؟

التحليل :

موقف روني دیکارت : هوية الشخص عند دیکارت تستند على كونه ذات مفكرة فقد استخدم الشك المنهجي من أجل الوصول إلى الحقيقة . هكذا شك ديكارت في كل شيء مع يستطع أن يشك في أنه يشك ، وما دام الشك نوع من التفكير فقد انتهى أنه يفكر . من هنا فقد تساءل قائلا : أي شيء أنا ؟ وأجاب : أنا شيء مفكر . وهذا ما يجعل هوية الشخص في نظره تتحدد على مستوى الفكر , فالشخص هو ذات مفكرة وواعية . ويتجلى هذا الوعي في القدرة على الشك والفهم والتصور والنفي والإثبات والتخيل ... الخ . وتعتبر هذه الأفعال خصائص مكونة لهوية الشخص بحيث لا يمكن تصوره بدونها ، ومنه فهوية الشخص تكمن في الفكر وعملياته الذهنية , على اعتبار أن الفكر جوهر الذات والشيء الوحيد الذي لا يقبل الشك كما أن هوية الشخص ثابتة طالما صادرة عن الفكر .

موقف جول لاشوليي " أساس هوية الشخص طبعه وذاكرته ؟ الاشتغال على النص صفحة 12

إشكال النص :

  • ما أساس شعورنا بهويتنا بما تتسم به من وحدة وثبات ؟
  • هل الوعي بوحدة وثبات الذات هي معطى أولي و أصلي في شعورنا أم هي نتاج ترابط الذكريات ودوام نفس الطبع ؟

أطروحة النص :

يری جول لاشوليي أن الوعي بهوية الشخص بما تتسم به من وحدة وثبات هي نتيجة شيئين : دوام نفس المزاج والطبع وترابط الذكريات . معتبرا المحدد الأساس لهوية الشخص هو تطابقه مع ذاته و تميزه عن غيره , ولعل ما يضمن إحساس الشخص بوحدته عبر مراحل حياته هو الطبع من جهة و ذاكرة من جهة أخرى , فلكل شخص طابعه الخاص أو سماته التي تميزه عن الأخرين , كما أن ذاكرته تمكنه من ربط ماضيه بحاضره وتضمن استمراريته في الزمن .

البنية المفاهيمية للنص :

  • المزاج : نقصد به الطبع أي تواتر وانتظام نفس ردود أفعال الذات إزاء مثيرات العالم الخارجي .
  • ترابط الذكريات : بمعنى أن الأحداث الماضية تشكل عاملا مؤثرا في الحاضر ، على اعتبار أنا الذاكرة عبارة عن قدرة عقلية تربط الماضي بالحاضر وتعمل على استشراف المستقبل .

البنية الحجاجية للنص :

  • أسلوب الاستفهام : حيث استفهم حول إمكانية وجود عنصر ثابت داخل الأنا .
  • أسلوب المثال : قدم مجموعة من الأمثلة الواقعية من أجل توضيح أن الأنا متغيرة و غير ثابتة .
  • أسلوب التوضيح : وضح أن الإحساس بالهوية بما تتسم به من وحدة و ثبات يعود إلى الطبع والمزاج وترابط الذكريات .

إستنتاج :

هوية الشخص هي نتاج لعمليات سيكولوجية تتمثل في دوام نقس المزاج والطبع وترابط الذكريات .

يری جون لوك أن هوية الشخص ترتبط بالشعور بالذات والذاكرة التي تحتفظ بكل تجاربنا النفسية . فما يحدد هوية الشخص ويجعله مطابقا لذاته ويحس انه نفسه في مختلف الأزمنة والأمكنة . هو الشعور أي الوعي المصاحب دوما للأفعال فلا يمكن أبدا أن يدرك الشخص ذاته وأفعاله في غياب الشعور وهذا ما يجعل هوية الشخص في تطابق مع ذاتها وحينما يمتد هذا الشعور في الزمن باستحضار أفعال الماضي في الحاضر يؤدي إلى امتداد هوية الشخص وهذا الامتداد يتم بفضل الذاكرة مما يجعل هذه الأخيرة أيضا محددا أساسيا لهوية الشخص .

يرى سيغموند فرويد أن هوية الشخص ووحدته لا ترتد إلى عنصر واحد يتصف بالبساطة والثبات وإنما هي بنية معقدة ودينامية تتكون من ثلاثة عناصر ( الهو , الأنا , الأنا الأعلى ) متفاعلة و متصارعة و الشخصية نتاج لهذه الصرعات .
إن وحدة الشخص ليس معطی ثابت وإنما هو بناء دينامي ناتج عن تفاعلات مكونات الشخصية وصراعاتها كما أن هذه الوحدة ليست جوهرية في ذات بل هي وحدة مهزوزة قابلة للانهيار في أية لحظة عجز فيها الأنا عم القيام بوظيفته التنسيقية .

التركيب :

يتبين مما سبق أن التعامل مع مفهوم الشخص قد اختلف من مجال معرفي إلى أخر ( الفلسفة علم النفس ...... ) غير أن ما يستدعي التساؤل هو لماذا هذا التجزيء في الشخص في بعده الفكري وبعده النفسي ... ؟ ألا يمكن النظر إلى الشخص مثلا ككل وكوحدة تتفاعل فيما بينها هذه الأبعاد بكاملها على اعتبار أن السلوك الخارجي يأخذ نوعا بعينه إما فكري وإما نفسي بل يعد نتيجة لتفاعل بين هذه المكونات بشكل يجعلنا عاجزين عن الفصل بينهما . ألا يؤثر هذا التجزيء على قيمة الشخص ؟ فمن أين يستمد الشخص قيمته ؟