المحور الثاني : الشخص بوصفه قيمة

  • الشخص : ذات عاقلة و واعية تتحمل مسؤلية قانونية و أخلاقية .
  • القيمة : صفة أو خاصية نقوم ها الشيء أو الفعل .

تنقسم موجودات العالم إلى ذوات ( أشخاص ) وإلى أشياء ( وسائل نافعة ) , إلا أن الأشخاص يتميزون عن الأشياء بخصائص معنوية . وإذا كان الشخص كاننا عاقلا مفكرا يمتلك هوية تميزه عن باقي الكائنات وتجعله يسمو بها عنها . فهذا يعني أنه يمتلك قيمة معنوية خاصة .

  • فمن أين يستمد الشخص قيمته : هل من کونه غاية في ذاته أم في كونه مجرد وسيلة ؟
  • من أين يستمد قيمته ؟
  • وهل يمكن أن نعامل الشخص كما نعامل الأشياء ؟
  • وهل يكتسي الشخص قيمة أخلاقية مطلقة أم تسبية ؟

سنشتغل على هذا الإشكال من خلال عمل منهجي يتمثل في تحليل و مناقشة النص الفلسفي التالي :
نص ايمانويل كانط ص : 19

مطلب الفهم :

بطريقة استنباطية :

يحمل النص مضمونا معرفيا يجعله مندرجا ضمن إطار نظري عام متمثل في مجزوءة الوضع البشري بوصفها جملة من الشروط والمحددات القبلية التي تخترق الوجود البشري في بعديه الفردي و العلائقي على مختلف السياقات الزمنية . ويتحدد بشكل خاص ضمن مفهوم الشخص باعتباره كائن عاقل استوفي درجة التميز الأخلاقي وأصبح مسؤولا عن نفسه . ويتناول إشكال الشخص بوصفه قيمة هذا الأخير يحمل مفارقة بين من يعتبر أن للشخص قيمة مطلقة تجعله غاية في ذاته , ومن يعتبر أن الشخص مجرد وسيلة وبالتالي قيمته مشروطة ونسية . هذه المفارقة الأخيرة تضفي المشروعية على طرح التساؤلات الإشكالية التالية : من أين يستمد الشخص قيمته : هل من كونه غاية في ذاته أم في كونه مجرد وسيلة ؟ وما طبيعة هذه القيمة هل هي قيمة نسبية متغيرة أم قيمة معنوية مطلقة ؟

بالانطلاق من الواقع :

يشهد واقع الحال أن الأشخاص يكتسبون قيمتهم من واقعهم المعيش تبعا لمكانتهم الاجتماعية ووضعيتهم الاقتصادية ... لكن هذه القيمة تكون متغيرة أو على الأقل قابلة للتغير باستمرار تبعا لتغير الوضعيات والمحددات الاجتماعية والمادية الامر الذي لا يفسر لماذا تظل قيمة الإنسان ثابتة مقارنة مع بعض الموجودات والموضوعات الأخرى . هذا الأمر يدفعنا بشكل مباشر إلى تفكير في قضية قيمة الشخص والتي تحمل مفارقة كبرى : من جهة يمكن القول أن الشخص يكتسي قيمة معنوية خاصة يسمو بها على الموجودات وهذه القيمة هي مطلقة تجعله يتعين كغاية في ذاته ومن جهة أخرى , هناك من يعتبر أن قيمة الشخص ترتبط بالأدوار التي يقوم بها والتالي قيمته تبقی مشروطة ونسبية الأمر الذي يجعله مجرد وسيلة فمن أين يستمد الشخص قيمته : هل من كونه غاية في ذاته أم في كونه مجرد وسيلة ؟ وما طبيعة هذه القيمة هل هي قيمة نسبية متغيرة أم قيمة معنوية مطلقة ؟

مطلب التحليل :

في سياق معالجته للإشكال السالف ذكر , تبني صاحب النص أطروحة مؤداها أن الإنسان باعتباره ذات العقل عملي أخلاقي فهو غاية في ذاته يحمل صفة الشخص له كرامة تستوجب الاحترام والتقدير ولا يمكن النظر إليه كمجرد أداة أو وسيلة لبلوغ وتحقيق غايات أخرى . وفي سياق عرضه لأطروحته وظف صاحب النص شبكة مفاهيمية تتسم بغناها وعمقها الدلالي حيت وظف مفهوم القيمة المشروطة , العقل و الشخص وهذا الأخير يتم تعريفه بكونه ذات عاقلة وواعية تتحمل مسؤولية أفعالها قانونيا وأخلاقيا . أما العقل فهو عند كانط عقل عملي أخلاقي أي ضمير أخلاقي يوجه صاحبه على أرض الواقع وفق المبادئ الإرادة الخيرة والتي تشتغل وفق مجموعة من القواعد الأخلاقية أهمها القاعدة التالية " تصرف على نحو تعامل معه الإنسانية في شخصك وشخصك غيرك دائما وأبدا كغاية وليس مجرد وسيلة " . وهذه القاعدة تجعل للشخص قيمة مطلقة وليس مشروطة على اعتبار أن هذه الأخيرة قيمة نفعية تكمن في ما يتحقق من نتائج نفعية .لكن الشخص مدام ذات لعقل عملي أخلاقي فهو بعيد عن كل نزعة تسعيرية فهو غاية في ذاته وليس مجرد وسيلة .

كما تميزت بنية النص بتماسكها المنطقي وقوتها الإقناعية من جهة توظيف صاحب النص لمجموعة من العناصر الحجاجية التي تتسم بقدرتها التأثيرية في المتلقي , وفي هذا الصدد لجأ صاحب النص إلى أسلوب التعريف حيث عرف الشخص بكونه كانن عاقل والعقل عند كانط هو بمثابة قاعدة للتشريع الأخلاقي المطلق واللامشروط , تقتضي هذه القاعدة أن نعامل انفسنا كما الاخرين باعتبار هم غایات و ليس وسائل وأدوات للتحقيق المصلحة أو المنفعة . كما وظف أسلوب التميز من أجل التميز بين الكائن العاقل الذي نسميه شخصا والكائن المجرد من العقل الذي نسميه شيئا وأساس هذا التمييز هو أن تلتزم دائما بعدم استغلال الأشخاص سواء كنا نحن الشخص نفسه أو الأخرين , وعدم التعامل معهم بمنطق الاستغلال والمصلحة لأن ذلك تشیئ و انتقاص فضيع من قيمة الأشخاص .

وعليه يمكن القول مع " كانط " أن النظر إلى الشخص باعتباره كائنا عاقلا أخلاقيا يجعله هذا الأمر يكتسي قيمة مطلقة تجعله يتعينن كغاية في حد ذاته ، وهذا يجعله يشعر حينئذ بإنسانية جاثمة في داخله تمنحه كرامة تستوجب منه احترام ذاته وتستوجب من الآخرين احترام هاته الذات ، وذلك في إطار الاحترام المتبادل .

مطلب المناقشة :

تتجلى قيمة النص في دعوة كانط للإعلاء من قيمة الشخص واحترامه بما هو ذات منتجة لكل القيم وإلى ضرورة التعامل مع الأشخاص باعتبارهم ذوات مفكرة وأخلاقية تستحق الاحترام والتقدير , وهذه الدعوة شكلت أهم بند في الاتفاقيات العالمية التي تعنى بحقوق الانسان وكرامته خاصة اتفاقية حقوق الانسان الموسسة عام 1948 .

وما يؤكد ما أسلفنا هو وجود مواقف تدافع عن نفس الطرح من أهمها نذكر موقف ايمانويل مونني حيت يعتبر أن الشخص هو الواقع الوحيد الذي نصنعه ونعرفه من الداخل في نفس الوقت لأنه ذات وليس موضوع و هذا ما يجعله بعيدا عن كل نزعة تشيئية أو اعتباره كاداة أو سيلة تستخدمها هذه الأرادة أو تلك المصلحتها الخاصة أو حتى معاملته كباقي الموضوعات والاشياء الخارجية , فالشخص هو حركة شخصنة وليس معطى جاهز بل هو نتاج تجربة غنية منغرسة في هذا العالم تعبر عن نفسها بواسطة الخلق الذاتي والتواصل والانخراط الامر الذي يسمو به عن عالم الموضوعات و الحيوان ويكشف عن مدى ثراء الشخصية المتجسد في تفردها وأصالتها وانفلاتها من كل محاولة استنفاد أو استعباد وهذا الأمر يجعله يحظى بقيمة معنوية مطلقة لا تقدر بثمن .

لكن الى أي حد يمكن الاتفاق مع الآراء التي أسلفنا الا يمكن التعبير على العكس من ذلك والقول أن للشخص قيمة متغيرة نسبية ومشروطة تجعله مجرد وسيلة ؟ هي نفس الاسئلة التي انطلقت منها بعض المواقف التي تبين حدود وقصور ما أسلفنا من أهمها نذكر موقف علماء الاجتماع الذين يعتبرون أن الشخص مجرد وسيلة قيمته مشروطة ونسبية ترتبط بمدى التزامه بمبادئ وقيم المجتمع , لأن الشخص في نظرهم هو قبل كل شيء فرد في المجتمع تحكم تصرفاته وسلوكياته ضوابط وأدوار اجتماعية منظمة للثقافة السائدة في مجتمعه . فالمؤسسات الاجتماعية هي التي تصنف كيف يجب أن يسلك الشخص وكيف ينظر الى نفسه وذلك بهدف دمجه في الحياة الاجتماعية لكي يحافظ على توازنه واستمراريته . فالمجتمع اذن هو الذي يمنح الشخص قيمة أخلاقية بالتزامه بمبادئ وقيم المجتمع , وكل انحراف عن هذه المبادئ يفضي إلى نزع هذه القيمة .

التركيب :

تخلص في الاخير ومن خلال تحليلنا ومناقشتا لمضمون النص . أن موضوع قيمة الشخص موضوع اشكالي بامتياز . فالشخص بوصفه ذاتا واعية و أخلاقية ، يشكل مصدر القيم الأخلاقية وهو بذلك يستحق كل الاحترام و التقدير وهو ما يتطلب دوما حفظا لكرامته ، و هذا ما يستوجب معاملته دوما و أبدا كغاية وليس كوسيلة أو كشيء . وبالمقابل ليست دائما قيمة الأشخاص مطلقة وثابتة بل هي قيمة مشروطة ومتغيرة تبعا لتغير الوضعيات التي يحياها الانسان وهذا ما دافع عنه معارضي فكرة صاحب النص ومؤيديه . لكن من وجهتي نظري الخاصة أجد أن هذا التباين في المواقف من قيمة الشخص تحكمه ضوابط فكرية وانتماءات اجتماعية .... و لكن هذا التباين لا يعني التناقض وإنما التكامل , لأن الشخص في الأصل وحدة مركبة تتضافر في تشكيلها أبعاد متعددة متضافرة ومتكاملة فيما بينها وانطلاقا من هذه الرؤية المركبة للشخص , تتحدد قيمته فهي ذات طابع أخلاقي و اجتماعي و معرفي ..... ، وكل فصل لجزء من هذه الأجزاء عن الكل الذي هو الشخص يفضي إلى فقدان الشخص لقيمته .